الشيخ محمد هادي معرفة
51
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
1 - التنقّل الفجائي : من ميزات الكلام إذا كان مقالًا في خطاب ، جواز التنقّل الفجائي من موضوع إلى موضوع ومن حالة إلى حالة أخرى قد لا تكون بينهما مناسبة ظاهرة ، وممّا يُعَّد عيبا في سرد الكلام إذا كان كتابا لا إذا كان خطابا معتمدا على قرائن المقام . خذ مثلًا سورة القيامة ، تبتديء بالكلام عن الإنسان وشأنه من قيام الساعة حتى تأتي إلى قوله تعالى : « بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ » . وفجاءةً يتوجّه الكلام خطابا إلى النبيّ صلى الله عليه وآله : « لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ . إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ . فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ . ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ » . ويعود فورا إلى مواجهة الإنسان بالتقريع عليه : « كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ » . ثُمَّ يتحوّل إلى الكلام عن حالة الإنسان في يوم القيامة : « وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ . إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ . وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ . . . » « 1 » إلى آية ثلاثين . وبعدها يتحدّث عن إنسان متبخترٍ لاصدّق ولاصلّى ولكن كذّب وتولّى ثُمَّ ذهب إلى أهله يتمطّى . . . وهكذا نجد السياق يصول ويجول ويتحوّل ويتنقّل . . . فتارة تشنيع وأُخرى تقريع وثالثة تهويل وتفضيع حتى نهاية السورة . فما هذا الكرّ والفرّ ، والرجعة والإقدام ، إلّا لكونه سياق خطاب لاسياق كتاب ! فقد حصل التنقّل في هذه السورة ست مّرات ، وهذا من خصائص القرآن البديعة بلا ريب . يقول الإمام الرازي بصدد تبرير هذا النوع من الالتفات الفجائي ( الشديد الانحراف ) عند تفسير الآية : « لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ . . . » : يجوز أنّ الرسول صلى الله عليه وآله اتّفق له عند نزول هذه الآيات أن استعجل بقراءتها خوف الضياع ، فلاجرم نهي عن ذلك لفوره . وهذا كما أنّ المدرّس إذا كان يلقي على تلميذه درسا فأخذ التلميذ يلتفت يمينا وشمالًا ، فينبّهه المدرّس لفوره ويقول له في أثناء ذلك الدرس : لا تلتفت يمينا وشمالًا ، ثُمَّ يعود إلى الدرس .
--> ( 1 ) - القيامة 14 : 75 - 24 .